الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
41
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحرف ( من ) في قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ للتبعيض ، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناولات ، كقوله : « كلوا من ثمره » . وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد ، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش ، والعظم ، والجلد ، والقرون ؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه . وحرف ( على ) في قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ بمعنى لام التعليل ، كما تقول : سجن على الاعتداء ، وضرب الصبيّ على الكذب ، وقول علقمة بن شيبان : ونطاعن الأعداء عن أبنائنا * وعلى بصائرنا وإن لم نبصر أي نطاعن على حقائقنا : أي لحماية الحقيقة ، ومن هذا الباب قوله تعالى : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [ الأحزاب : 37 ] ، وقوله صلى اللّه عليه وسلّم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح : من كلاب ، وفهود ، وسباع طير : كالبزاة ، والصقور ، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد . وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنّما اختلفوا في تحقّق هذه القيود . فأمّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أشلى ، فانشلى ، فاشتدّ وراء الصيد ، وإذا دعي فأقبل ، وإذا زجر فانزجر ، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه ، أنّ هذا معلّم . وهذا على مراتب التعلّم . ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك : فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع . وصفات التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد ، وأنّه صار له معرفة ، وبذلك قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتين أو ثلاث ، خلافا لأحمد ، وأبي يوسف ، ومحمد . وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد : فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها ، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدودا ، أو أمره إيّاها بلفظ اعتدت أن تفهم منه الأمر كقوله : « هذا لك » لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة . ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد . واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه : فقال جماعة من الصحابة والتابعين : إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية ؛ لأنّه إنّما أمسك على نفسه ، لا على ربّه . وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح : أنّه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن الكلب ، فقال : « وإذا أكل فلا تأكل فإنّما أمسك على نفسه » . وبه أخذ الشافعي ، وأحمد ، وأبو